السيد كمال الحيدري

260

اللباب في تفسير الكتاب

أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها جمال الأفعال ؛ قال تعالى : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ( طه : 110 ) ، فإذا وصفوه بوصف صار محدوداً بحدودهم مقدّراً بقدر نيلهم منه وفهمهم ، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلّا من بعد أن ينزّهوه ويسبّحوه عمّا حدّوه وقدّروه بأفهامهم ؛ قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ( النحل : 74 ) . والنكتة التي تستند إليها الحقيقة المتقدِّمة هي : أنّ هذه المعاني والمفاهيم التي يضعها العقل إنّما هي بمنزلة الموازين والمكائيل التي يوزن ويكتال بها الوجود الخارجي والكون الواقعي ، فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض ، واستمددنا من أحدها للآخر ، لا يغترف بأوعيتها إلّا ما يقاربها في الحدّ ، فإذا فرضنا أمراً غير محدود ثمّ قصدناه بهذه المقاييس والمفاهيم المحدودة لم ننل منه إلّا المحدود وهو تعالى غيره ، وكلّما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعالياً وابتعاداً . فمفهوم العلم مثلًا هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعدّه كمالًا لما يوجد له ، وفى هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة والحياة مثلًا ، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثمّ عدّلنا محدوديّته بالتقييد في نحو قولنا : علم لا كالعلوم ، فهب أنّه يخلص من بعض التحديد لكنّه بعدُ مفهوم لا ينعزل عن شأنه ، وهو عدم شموله ما وراءه ولكلّ مفهوم حدّ لا يتعدّاه وله وراء يقصر عن شموله وإضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدّى إلى بطلان خاصّية المفهوم ، كما هو واضح . من هنا ذكروا أنّه تعالى كما هو سبّوح فهو قدّوس أيضاً ، بمعنى أنّه تعالى كما أنّه منزّه عن نقائص الإمكان والحدوث ، فهو منزّه أيضاً عن جميع الكمالات اللازمة للأكوان ، لأنّها من حيث إضافتها إلى الأكوان تخرج عن إطلاقها وتقع في نقائص التقييد .